عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

273

اللباب في علوم الكتاب

وعن الثاني : أنه - عليه الصلاة والسلام - لو كان مأمورا بأن يستدلّ بالدليل الذي استدلّ به الأنبياء المتقدّمون لم يكن ذلك متابعة ؛ لأن المسلمين لما استدلّوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال : إنهم متّبعون لليهود والنّصارى في هذا الباب ؛ لأن المستدلّ بالدليل يكون أصلا في ذلك الحكم ، ولا تعلّق له بمن قبله ألبتّة ، والاقتداء والاتّباع لا يحصل إلا إذا كان فعل الأوّل سببا لوجوب الفعل عن الثاني . وعن الثالث : أنه أمر الرّسول بالاقتداء بجميعهم في جميع الصّفات الحميدة ، والأخلاق الشريفة ، وذلك لا يوجب كونه أقلّ مرتبة من الكلّ على ما يأتي في الفصل الذي بعده . فصل في أفضلية نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم احتجّ العلماء بهذه الآية على أن الرّسول صلى اللّه عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ؛ لأن خصال الكمال وصفات الشّرف كانت مفرّقة فيهم ف « داود » و « سليمان » كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، و « أيّوب » كان من أصحاب الصّبر على البلاء ، و « يوسف » كان جامعا لهاتين الحالتين ، و « موسى » عليه الصلاة والسلام كان صاحب الشريعة القويّة القاهرة ، والمعجزات الظاهرة و « زكريا » و « يحيى » و « عيسى » و « إلياس » كانوا أصحاب الزّهد ، و « إسماعيل » كان صاحب الصّدق و « يونس » كان صاحب التّضرّع . وثبت أنه - تعالى - إنما ذكر كلّ واحد من هؤلاء الأنبياء ؛ لأن الغالب عليه خصلة معيّنة من خصال المدح والشرف ، ثم إنه تعالى لما ذكر الكلّ أمر محمدا - عليه الصّلاة والسّلام - بأن يقتدي بهم بأسرهم ، فكان التقدير كأنه - تعالى - أمر محمدا أن يجمع من خصال العبوديّة والطاعة كل الصفات التي كانت متفرّقة فيهم بأجمعهم ، ولما أمره اللّه - تبارك وتعالى - بذلك امتنع أن يقال : إنه قصّر في تحصيلها ، فثبت أنه حصّلها ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال : إنه أفضلهم بكليتهم « 1 » . قوله : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء المتقدمين ، وكان من جملة هدايتهم ترك طلب الأجر في إيصال الدين ، وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم في ذلك فقال : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً » [ و « الهاء » في « عليه » ] « 2 » تعود على القرآن والتبليغ أضمرا وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السّياق عليهما ، و « أن » نافية ولا عمل لها على المشهور ، ولو كانت عاملة لبطل عملها ب « إلّا » في قوله : « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى » أن يذكره ويعظه . « وللعالمين » متعلق ب « ذكرى » و « اللام » معدية أي : إن القرآن العظيم إلّا تذكير للعالمين ، ويجوز أن تكون متعلّقة بمحذوف على أنها صفة للذّكرى ، وهذه الآية تدلّ على أنه صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون قوم .

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 58 . ( 2 ) سقط في ب .